محمد أبو زهرة
621
زهرة التفاسير
وقيل لأن إبراهيم عليه السلام علمه جبريل فيه مناسك الحج ، فكان يقول : عرفت ، عرفت . وقيل لأن آدم وحواء تعارفا فيه . وقيل لأن عرفات من عرف بمعنى طيبه الله بالعرف بخلاف منى ، فإن فيها الذبح وأفراث الذبائح . وأحسن تعليل للتسمية ما جاء في الزمخشري : قيل لأن الناس يتعارفون فيها . وهذا ما أختاره ، وإن كانت الأسماء لا تعلل ؛ ذلك لأن عرفات يجتمع الناس جميعا عليه في وقت واحد ، فيجرى التعارف بينهم ، وليست هذه الخاصة في غيره من المناسك ، فغيره يؤدى أفرادا أو جماعة ، أما هذا فيؤدى في جماعة زاخرة ، هي جماعة الحجاج أجمعين . والمشعر الحرام : هو المزدلفة ؛ وسمى كذلك ؛ لأنه من معالم الحج التي لا يصح أن يعمل فيها إلا ما ورد به النص ، وهو منسك له حرمة وتقديس ، وقد سمى المزدلفة ؛ لأن الحجيج يزدلفون إليه من عرفات ، كما سمى جمعا ؛ لأنهم يجتمعون فيه ، ولأنهم يجمعون فيه بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير ، كما يجمعون بين صلاتي الظهر والعصر جمع تقديم في عرفات . ووقت الوقوف بعرفات عند الجمهور « 1 » من بعد زوال اليوم التاسع إلى فجر اليوم العاشر ؛ والوقوف بمزدلفة بعد فجر اليوم العاشر . وقد روى المسور بن مخرمة أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم خطب الناس فقال : « أما بعد فإن هذا اليوم الحج الأكبر ، ألا وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس ، إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم ، وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس مخالفا هدينا هدى أهل الشرك » « 2 » ويبين ذلك عمل النبي
--> ( 1 ) قال المصنف - رحمه اللّه - : اتفق الفقهاء على أن الوقت من الزوال إلى الفجر وقت للوقوف ، واتفقوا على أن من وقف قبل الغروب وبعده فقط صح حجه إذا استوفى ركنه . واختلفوا في أمرين فيما إذا وقف بعد الزوال وافترق قبل الغروب ؛ فقد قال الجمهور يصح ؛ وقال مالك في المشهور لا يصح حتى يكون الغروب ليفترق عن فعل المشركين ، كما نص الحديث ؛ واختلفوا إذا وقف بالزوال ؛ فقال الجمهور لا يصح ، وقال أحمد يجوز لما روى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : من شهد صلاتنا هذه فوقف معنا حتى ندفع ووقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه » والسؤال والنبي صلى اللّه عليه وسلم بالمزدلفة . ( 2 ) عن المسور بن مخرمة قال : خطبنا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بعرفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : « أمّا بعد ، فإنّ أهل الشّرك والأوثان كانوا يدفعون من هاهنا عند غروب الشّمس حين تكون الشّمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرّجال على رءوسها ، فهدينا مخالف لهديهم ، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام عند طلوع -